أحمد بن علي القلقشندي

296

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الأعظم ، له مخاتلة سرحان وهجمة ضيغم ؛ أحنّ من نقبة ( 1 ) ، « وأظلم من حيّة » ، أطيش من فراشة ، وأسبق إلى الغايات من عكَّاشة ( 2 ) ؛ أخطف من عقاب ، وأشجع من ساكن غاب ، أسرق من جرذ وأنوم من فهد ، وألين من عهن ( 3 ) وأخشن من قدّ ؛ بأسه قضاء على الطَّير منزل ، وبطشه ملك بآجالها مرسل . فلمّا تأملت خلقه ، وسبرت بتجربة الفراسة خلقه ، عجّلت له جريرا مستحصد المرّة لوثاقه ، وأحكمت شدّه في محلّ خناقه ، وقلت له : إنّي مجرّبك سحابة هذا النهار ، « ومن سلك الجدد أمن من العثار » ، فعل ذي خبرة بمكره ، وعلى ثقة من غدره ؛ فإنّ اللَّئيم ذو صولة بعد الخضوع ، وفضح التّطبّع شيمة المطبوع ؛ وكيف الثّقة به وإن استقرّ ولم ينبس ؟ وأنّى الطَّمأنينة إليه وهو الأزرق المتلمّس ؟ . ثم انصرفت إلى البلد لبعض شاني ، والاجتماع بأخلَّائي وأخداني ، واستغرقت أديم النهار فيما توجّهت له ، وقطعت عمر يوم ما كان أطوله ! فلما قضيت نهمتي ، من نجعتي ، وحانت مع وجوب الشّمس رجعتي ، ألفيته عمد إلى الوثاق فقرضه ، ووفّاه بالكيل الوافي ما اقترضه ، وصال على شيخة نستسعد بدعائها ، ونفزع إن دهمنا همّ قبل نداء أولي البطش إلى ندائها ؛ ذات خلق عظيم ، ومنطق رخيم ، وقلب رحيم ، ووجه ذي نضرة ونعيم ؛ إن قامت أحيت اللَّيل بالسّهر ، أو قرأت رأيتنا حولها زمرا بعد زمر ؛ إن حادثتها نطقت بالسّحر محلَّلا ، أو تاركتها رأت الصّمت على كثير من النّطق مفضّلا ؛ تسرّ نفسك في حالة الصّخب ، وتريك وجه الرّضا في صورة الغضب ؛ فمدّ إليها يد العدوان ، وأطاع بأذاها أمر الشّيطان ، ولم يرقب فيها

--> ( 1 ) كذا في الطبعة الأميرية مع علامة توقف . وفي الأمثال يقال : « أحنّ من شارف » ، وهي الناقة المسنّة ؛ و « وأحنى من الوالد » . ( 2 ) العكاشة ( بتشديد الكاف وتخفيفها ) : العنكبوت . ( 3 ) العهن : الصوف .